شما در حال مشاهده نسخه آرشیو می باشید.

المبحث الثاني بغداد سياسيّاً وفكريّاً في عصر الكليني‌

<
>

وممّا زاد الطين بلّة في العصر العبّاسي الثاني إعطاء ولاية العهد لثلاثة ، وهو ما فعله المتوكّل الذي قسّم الدولة على ثلاثة من أولاده ، وهم : المنتصر ، والمعتزّ ، والمؤيّد [١] ، ممّا فسح ـ بهذا ـ المجال أمامهم للتنافس ، ومحاولة كلّ واحد عزل الآخر من خلال جمع الأعوان والأنصار ، بحيث أدّى ذلك في بعض الأحيان إلى معارك طاحنة كما حصل بين الأمين والمأمون.

وقد عُرِفَ عبثهم ومجونهم منذ عصرهم الأوّل ، فالمنصور العبّاسي ١٣٦ ـ ١٥٨ هـ مثلاً كان في معاقرته الخمر يحتجب عن ندمائه ؛ صوناً لمركزه ، في حين أعلن ولده المهدي ١٥٨ ـ ١٦٩ هـ ذلك ، وأبى الاحتجاب عن الندماء بل شاركهم [٢].

عاشها الكليني ببغداد ، فلابدّ من إعطاء صورة واضحة للمؤثّرات السياسيّة والفكريّة التي أسهمت في تكوين رؤية الكليني للمجتمع الجديد وتساؤلاته التي حاول الإجابة عليها في كتابه الكافي ، فنقول :

يرجع تدهور الحياة السياسيّة ببغداد في عصر الكليني إلى أسباب كثيرة أدّت إلى سقوط هيبة الدولة من أعين الناس ، إليك أهمّها :

أوّلاً ـ نظام ولاية العهد :

وهو نظام سياسي عقيم ، وخلاصته : أن يعهد الخليفة بالخلافة لمن يأتي بعده مع أخذ البيعة له من الامّة كرهاً في حياته ، وهو بهذه الصورة يمثّل قمّة الاستبداد وإلغاء دور الامّة وغمط الحقوق السياسيّة لجميع أفرادها.

وهذا النظام وإن انتهى بعد قتل المتوكّل ، إلاّ أنّ البديل كان أشدّ عقماً ؛ إذ صار أمر تعيين الخليفة منوطاً بيد الأتراك لا بيد أهل الحلّ والعقد ، مع التزامهم بعدم خروج السلطة عن سلالة العبّاسيّين وإن لم يكن فيهم رجل رشيد.

ثانياً ـ عبث الخلفاء العبّاسيّين ولهوهم وسوء سيرتهم :

ممّا أدّى إلى تفاقم الأوضاع في هذا العصر انشغال الخلفاء العبّاسيّين بالعبث واللهو ، إلى حدّ الاستهتار بارتكاب المحرّمات علناً بلا حريجة من دين أو واعظ من ضمير.

24